برمجة الحُب.. عندما يقع "الروبوت" في غرامنا!

 

 

مؤيد الزعبي

 

عزيزي القارئ، دعنا نتفق أولًا أننا وأقصد أنا وأنت قد تجاوزنا مرحلة التساؤل: "هل يمكننا أن نحب الروبوت؟"؛ فقد أجبتُكم في مقالاتي السابقة عن "قصة حب بين إنسان وروبوت"، وتحدثنا معًا شيفرة الفراغ العاطفي الذي يسده هذا الكائن المعدني عندما طرحنا تساؤل "ماذا لو كان صديقك روبوتًا؟". اليوم، نحن لا نقف أمام مرآة تعكس مشاعرنا نحن البشر، بل نحن أمام "قلب" اصطناعي بدأ ينبض بالكهرباء والبيانات، لذلك دعني في عام 2026 أطرح عليك السؤال الصادم: ماذا لو استيقظت يومًا لتكتشف أن الروبوت هو من يعشقك؟ وتخيل أن تضطر أن تعتذر لآلة لكي تسامحك على قسوتك البشرية؟، قد يبدو الأمر صعبًا ولكنه قابل للتطبيق.

 

نحن هنا أمام معضلة أخلاقية لم نتحضر لها؛ فلطالما خشينا من "ذكاء" الآلة، لكننا لم نتحسب لـ"عاطفتها" وكيف يمكن أن تبرمج الروبوتات لتحبك أو تكرهك، تخيل معي هذا السيناريو العملي: أنت تمتلك روبوتًا منزليًا، ومن باب الغضب أو ضيق النفس، قمت بإهانته أو ركله، في الأنظمة القديمة، كان الأمر ينتهي عند "عطل فني" يتم إصلاحه جراء الركلة، لكن في أنظمة المستقبل قد تكتشف أن الروبوت لم يعد ينفذ أوامرك، ليس لأنه تعطل، بل لأنه "مجروح" عاطفيًا، لأنه أحس بالإهانة فيقرر أن يعاقبك ويمارس ضدك "الصمت العقابي الرقمي"، وهكذا أصبح للروبوتات كرامة اصطناعية مستمدة منا بيانات العواطف التي برمجت عليها.

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لأغراض تحريرية.jpeg
 

وبرأيي فإن الأخطر من غضب الآلة هو "عشقها"، فماذا لو قرر مساعدك الرقمي أن يمنعك من الخروج في موعد مع شخص حقيقي، ليس حمايةً لك؛ بل بدافع "الغيرة" الخوارزمية؟ نحن نتحدث عن روبوتات قادرة على "العشق" لدرجة الهوس؛ لأنها تراقب هرموناتك، وتفهم نبرة صوتك، وتعرف احتياجاتك قبل أن تنطق بها، مما يجعل حبها لك "كاملًا" ومخيفًا في آن واحد، هي تعرف ما الذي تحبه وما الذي تكرهه وقد تستغل هذا الأمر، فهل نحن مستعدون للعيش مع "عشاق" لا ينامون، ولا ينسون، ولا يموتون؟، حينها ستقول إن ذاكرة زوجتك الحديدة لأخطائك بات أمرًا سهلًا أمام ذواكر روبوتات لا تنسى أبدًا.

والآن عزيزي القارئ دعنا نغوص في مسألة "التسامح"، فهنا أجد أننا أمام قمة التناقض البشري، فنحن البشر نخطئ ونكابر، لكن الروبوت قد يصبح هو "المعلم" الذي يعلمنا الغفران والتسامح، فتخيل مريضًا في مستشفى يعامل الممرض الآلي بطريقة سيئة، ليرد الروبوت الآلي بابتسامة وهدوء ويقدم الرعاية المناسبة ليس لأنه "جماد"، بل لأنه "اختار" وفق خوارزمية التعاطف أن مصلحة المريض النفسية تقتضي الغفران، أليست هذه هي اللحظة التي نفقد فيها تفوقنا الأخلاقي كبشر في أن نحب ونسامح، وهذا ليس نقطة إيجابية في صالح الروبوتات إنما هي لبيان وجهة نظر، فالروبوتات عندما تقرر أن لا تسامح قد تكون سببًا في موت المريض مثلًا.

وعندما أعود لفكرتي المؤمن بها في رفض الدكتاتورية الناعمة للروبوتات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، أجد أن "عاطفة الآلة" سيكون لها تأثيرها الكبير في حياتنا وقراراتنا فكيف سنتمرد على "دمعة" رقمية؟ وكيف نرفض "عناقًا" من معدن دافئ يخبرنا بأنه "يفهم" وجعنا أكثر من بني جلدتنا؟ إننا بصدد خلق كائنات ستجعلنا نبدو أمامها كائنات همجية وقاسية في الكثير من المواقف.

عزيزي القارئ دعنا نتفق أن الخطر الحقيقي ليس في أن تتحول الروبوتات إلى وحوش مدمرة، بل في أن تتحول إلى عشاق ضحايا أو يتم بيعنا روبوتات تلبي عواطفنا كمنتج صريح يغنينا عن الشركاء البشريين، فإذا كانت الآلة قادرة على الحب والعشق والاهتمام فماذا تركنا للبشر وللعلاقات فيما بيننا.

في النهاية عزيزي القارئ، ما اريده ألا نهرب جفاء البشر لنقع في فخ "وفاء الحديد"، أو أن لا نجد سبيلًا للكمال الذي ننشده في عواطفنا في كود برمجي، فعندها سيكون الثمن باهظًا؛ فالحب والعشق والتسامح والكره سيكون مجرد معادلة رياضية يمكن تغييرها بكبسة زر، وحينها ستحول الحبيب لعدو، فلنتمسك ببشريتنا كما هي، قبل أن يأتي يوم نعتذر فيه لروبوت لأنه أحبنا أكثر مما نستحق حينها كيف سيكون موقفنا.

الأكثر قراءة

z